أبي حيان الأندلسي
254
تفسير البحر المحيط
وهلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً ، أو مالك لم تلحقني . وفي ذلك تحميل للفظ ما لا يحتمله وتكثير ولما كان قوله تتبعني لم يذكر متعلقه كان الظاهر أن لا تتبعني إلى جبل الطور ببني إسرائيل فيجيء اعتذار هارون بقوله * ( إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ ) * إذ كان لا يتبعه إلاّ المؤمنون ويبقى عباد العجل عاكفين عليه كما قالوا * ( لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ ) * ويحتمل أن يكون المعنى تتبعني تسير بسيري في الإصلاح والتسديد ، فيجيء اعتذاره أن الأمر تفاقم فلو تقويت عليه تقاتلوا واختلفوا فكان تفريقاً بينهم وإنما لاينت جهدي . وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي بِلَحْيَتِي بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز . وكان موسى عليه السلام شديد الغضب لله ولدينه ، ولما رأى قومه عبدوا عجلاً من دون الله بعد ما شاهدوا من الآيات العظام لم يتمالك أن أقبل على أخيه قابضاً على شعر رأسه ، وكان كثير الشعر وعلى شعر وجهه يجره إليه فأبدى عذره فإنه لو قاتل بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا ، فانتظرتك لتكون المتدراك لهم ، وخشيت عتابك على اطراح ما وصيتني به والعمل بموجبها . وتقدّم الكلام على * ( ابْنَ أُمَّ ) * قراءة وإعراباً وغير ذلك . وقرأ أبو جعفر ولم يُرْقِبْ بضم التاء وكسر القاف مضارع أرقب . ولما اعتذر له أخوه رجع إلى مخاطبة الذي أوقعهم في الضلال وهو السامري وتقدّم الكلام في الخطب في سورة يوسف . وقال ابن عطية * ( مَا خَطْبُكُمَا ) * كما تقول ما شأنك وما أمرك ، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهاراً لأن الخطب مستعمل في المكاره فكأنه قال : ما تحسك وما شؤمك ، وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك انتهى . وهذا ليس كما ذكر ألا ترى إلى قوله قال * ( فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) * وهو قول إبراهيم لملائكة الله فليس هذا يقتضي انتهاراً ولا شيئاً مما ذكر . وقال الزمخشري : خطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه ، فإذا قيل لمن يفعل شيئاً ما خطبك ، فمعناه ما طلبك له انتهى . ومنه خطبة النكاح وهو طلبه . وقيل : هو مشتق من الخطاب كأنه قال له : ما حملك على أن خاطبت بني إسرائيل بما خاطبت وفعلت معهم ما فعلت * ( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ) * . قال أبو عبيدة : علمت ما لم يعلموا . وقال الزجاج : بصر بالشيء إذا علمه وأبصر إذا نظر . وقيل : بصر به وأبصره بمعنى واحد . وقرأ الأعمش وأبو السماك : بَصِرْتُ بكسر الصاد بما لم تَبْصَروا بفتح الصاد . وقرأ عمرو بن عبيد بُصُرْتُ بضم الباء وضم الصاد بما لم تُبْصَروا بضم التاء وفتح الصاد مبنياً للمفعول فيهما . وقرأ الجمهور * ( بَصُرْتُ ) * بضم الصاد وحمزة والكسائي وأبو بحرية والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وابن مناذر وابن سعدان وقعنت تبصروا بتاء الخطاب لموسى وبني إسرائيل وباقي السبعة * ( يَبْصُرُواْ ) * بياء الغيبة . وقرأ الجمهور * ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً ) * بالضاد المعجمة فيهما أي أخذت بكفي مع الأصابع . وقرأ عبد الله وأبي وابن الزبير وحميد والحسن بالصاد فيهما ، وهو الأخذ بأطراف الأصابع . وقرأ الحسن بخلاف عنه وقتادة ونصر بن عاصم بضم القاف والصاد المهملة ، وأدغم ابن محيصن الضاد المنقوطة في تاء المتكلم وأبقى الإطباق مع تشديد التاء . وقال المفسرون * ( الرَّسُولَ ) * هنا جبريل عليه السلام ، وتقديره من * ( أَثَرِ ) * فرس * ( الرَّسُولَ ) * وكذا قرأ عبد الله ، والأثر التراب الذي تحت حافره * ( فَنَبَذْتُهَا ) * أي ألقيتها على الحليّ الذي تصور منه العجل فكان منها ما رأيت . وقال الأكثرون رأى السامري جبريل يوم فلق البحر ، وعن عليّ رآه حين ذهب موسى إلى الطور وجاءه جبريل فأبصره دون الناس . وقال الزمخشري : فإن قلت : لم سماه * ( الرَّسُولَ ) * دون جبريل وروح القدس ؟ قلت : حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به ، فأبصره السامري فقال : إن لهذا